
قصة بلا عنوان… لأن وجوه الخيانة لا تُحصى
لستُ محتاراً في القصة بقدر حيرتي في اختيار عنوانٍ واحدٍ لها؛ فهي حكاية تتشعب فصولها بين الحقد والحسد والنميمة، ثلاثيةٌ مظلمة كفاكم الله شرها.
تبدأ القصة بشخصيةٍ نرجسية، لا تصمد معها العلاقات الأخوية، ولا يكتب لها الاستمرار حتى في أبسط صور الود؛ لأن قلبه مزدحم بالحقد، وعينه لا ترى إلا من يتقدم عليه خطوة، أو من يحظى بتقديرٍ لم ينله.
وحين يشعر هذا الصنف أن الكفة مالت لغيره، تتكشف حقيقته؛ تظهر أنيابه، ويتحول لسانه إلى سكينٍ مسموم، ينهش بها سمعة الآخرين أمام الملأ، ويشوه صورهم بلا رحمة. ذلك أن النميمة ليست طارئةً عليه، بل وطنه الأصلي، وملاذه الدائم.
وقد تكشفت هذه الحقيقة خلال شهورٍ من التعامل؛ فالرجال – كما قيل – تُعرف بأفعالها، والأفعال لا تكذب، بل تفضح المعدن وتعري ما في الصدور من حقدٍ دفين. وكانت أولى العلامات النميمة، واختلاق القصص، وصناعة الأكاذيب على الآخرين.
سبق أن واجهته ونصحته، وذكرته بأن النميمة من كبائر الذنوب، وبقول الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وبقول النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة نمّام». لكنه آثر التحايل على النصيحة، وراح يبحث عن تأويلٍ يُلبس به فعلته ثوب "التحذير"، ناسياً – أو متناسياً – حكمة الإمام الشافعي: "من نقل إليك كلام الناس، نقل كلامك إلى الناس". وكان والدي – رحمه الله – يردد دائماً: "احذر من النمام؛ فالحسود لا دواء له، والحقد إذا استوطن القلب جعل صاحبه لا يعيش إلا على تفريق الناس وزرع الفتن بينهم".
وقد حصل ذلك فعلاً مع أول قصةٍ غبية. فعندما خسر ورده من بستانه المليء بالورود، أصابه الجنون؛ إذ اعتاد جمع الورود والتباهي بها أمام الآخرين. عندها أُقحم اسمي فجأة، بلا مقدمات، ليكون أداةً يعيد بها ترتيب أوراقه المتناثرة. لكن سوء اختياره كان قاتلاً؛ إذ اختار شخصاً لا يعرف التلون، ولا يجيد المجاملة، ولا يحترف الكذب. ومع أول مواجهةٍ صريحة، انهار، وتخبط، وترنح كالغريق. فانفلت لسانه، وبدأ ينهش سمعتي بقصصٍ واهية، لا أصل لها، أمام الآخرين. وهؤلاء وصفهم الله بدقةٍ لا تحتمل التأويل: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ لم أُفاجأ، ولم أُصدم؛ فقد عرفت معدنه مبكراً، وتوقعت فعله تماماً. فصاحب الطبع… لا يتغير.
إن من أعظم الأخطاء وأخطرها أثراً أن يُصدق الكلام عن الآخرين دون تثبت، أو يُبنى الحكم عليهم اعتماداً على نقلٍ مشوه، أو روايةٍ صادرة من صاحب نميمةٍ وهوى. فالتسرع في التصديق ظلمٌ بيّن، ومخالفةٌ صريحةٌ لمنهج العدل الذي أمر الله به. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. فجعل سبحانه التثبت أصلاً، وتركه سبباً للندم والخسران. وقال النبي ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع» [رواه مسلم]، وفي هذا تحذيرٌ صريح من أن يكون الإنسان أداةً لنقل الإشاعات، أو جسراً تعبر عليه الأباطيل. وقال الإمام ابن سيرين رحمه الله: "إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم"، وكذلك تُؤخذ المواقف، وتُبنى الأحكام، فلا عدل بلا معرفة، ولا إنصاف بلا سماعٍ من صاحب الشأن.
إن الاكتفاء بسماع طرفٍ واحد، خاصةً إن كان معروفاً بالنميمة أو التحامل، هو مشاركةٌ غير مباشرة في الظلم، وإسهامٌ في تشويه الحقائق، وخرقٌ لقيم الأخلاق قبل أن يكون خطأً في الرأي. فالعدل لا يكتمل إلا بسماع الجميع، والحكمة لا تُبنى على الظنون، والحق لا يُعرف إلا بالتحقق. ومن أراد السلامة لدينه وخلقه وضميره، فليجعل ميزانه التثبت، ومنهجه الإنصاف، وحكمه العدل… فبذلك تُصان الكرامات، وتُغلق أبواب الفتن.
وفي الختام، لسنا بحاجةٍ إلى تبريرٍ أمام الخلق، فالله وحده هو العدل المنصف، لا تخفى عليه خافية، ولا يضيع عنده حقٌ مهما طال الزمن. إليه نرفع الشكوى، وبه نستعين، وعليه نتوكل.
اللهم إنا نبرأ إليك من الظلم وأهله، ونسألك يا عدل يا حكم أن تأخذ بحق كل مظلوم، اللهم من ظلم وتعدى، وسعى بالكلام لإفساد القلوب وتمزيق الصفوف، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، ورد مكره عليه، ولا ترفعه إلا ليزداد سقوطاً، ولا تمهله إلا ليزداد خزياً. اللهم عليك بصاحب النميمة؛ الذي يزرع الفتن، ويفرق بين الأحبة، ويشوه الحقائق، اللهم اكشف ستره، وبين سوء طويته، واجعل قوله حجةً عليه لا له، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم إنا نعوذ بك من ظلم الظالمين، ومن ألسنة السوء، ومن قلوبٍ لا تخافك، ونسألك نصرك القريب، فإنك قلت وقولك الحق: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾. اللهم اجعل لنا من كل همً فرجاً، ومن كل ظلمٍ نصراً، ومن كل افتراءٍ كفاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
الكاتب: راشد ناصر آل قنيعير








